الحكيم الترمذي
172
غور الأمور
وقال في الصبر : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 1 » ، فوجدنا الشكر ثوابه الزيادة منه ، وهو سبب الوصول إليه ، ووجدنا الصبر ثوابه من الجنة ، والصابرون تثبتوا على أحكام ربهم وتأجلوه ، وأثابهم نعيم الجنة ، والشاكرون رأوا المنة بذلك النور ، فزادهم نورا وازدادوا بصيرة . فامتلأت قلوبهم معرفة وبصيرة وعلقت بالنعم ، فتمثل هذا في التصوير ، كأني قلت لعبد لي : أشرت له إلى مكان بعيد منى قف على ذلك المكان بين يدي حتى أرميك بسهامى ، فإن ثبت لي ، كان في ذلك علامة صدقك في تسليم نفسك إلى العبودة . فلم أزل أرميه وهو راسخ القدمين ثابت لا يزول عن مكانه ، قد رفع المبالاة عن نفسه ، فقد أظهر صدقه في تسليم نفسه إلى ، وإيثارى عليها فأكرمته وهديته ، وأغنيته ، وأجزلت له عطيته ، وأعتقته بما أظهر من صدقه ، فهذه صفة الصابرين . والآخر عبد لي قلت له : قف هناك ، فكلما رميت إليه دينارا فقبله فرميت إليه دينارا فأخذه ثم رميت آخر رمية أقصر من الأولى ، فوقع منه على ربوة فتقدم فرفعه ، ثم رميت آخر فوقع دون ذلك ، فتقدم فرفعه ، ثم رميت آخر فوقع دون ذلك ، فتقدم فرفعه ثم رميت آخر فوقع دون ذلك فتقدم فرفعه ثم رميت آخر فوقع دون ذلك فتقدم فرفعه . فلم أزل أرمى إليه دينارا بعد دينار ، فكل واحد دون الآخر ، وهو في كل واحد يتقدم لرفعه ، حتى صار واقفا بين يدي في محل القربة ، فهذه صفة الشاكر .
--> ( 1 ) سورة الزمر / الآية 10 .